عندما تسكن في منطقة حوت كل هذه التلوينات الاجتماعية وأضاف عليها الوافدون والوافدات صيغة جديدة لأعمال جديدة يمكن أن تصل لحد القهر الاجتماعي والنفسي الذي ربما يستحيل من بعده إصلاح ما تكتبه صور الشوارع على البنى النفسية والفكرية التي لم تعد تستقي ثقافتها إلا من حالة الضياع المعمم على كل الأصعدة ...
ليس من باب كسر التابويات نكتب عن الجنس او السوق المفتوحة لتجارة الأجساد كشكل أكثر انحطاطا من نخاسة الجواري والرقيق في عصور مضت , وإنما الدافع الحقيقي للخوض في غمار هذه التجارة المستفحلة الانتشار ينبع من حالة انعدام الوزن التي تجتاح الازقة التي بتنا نخاف أن نفكر في تلك اللحظة التي سنضطر لترك أطفالنا يمشون عليها منفردين , حتى لوكان باتجاه المدرسة , هانحن نمسك بتلابيب العفة التي مع الاسف لم نتعلم ثقافتها الحقيقية أو ندرك أيديولوجيا الانسانية في ظل الهزيمة المباشرة لكل المنظومة الفكرية والاجتماعية وانفتاح الشباب على ثقافات أخرى , ربما ينحازون لرفضها قولا , ولكنها تغري لياليهم الخالية من براءة الحلم , حق التطلع إلى المستقبل , خاصة وقد صار هذا الأخير قدريا مجهولا لا يتعلق لا بالكفاءة ولا بالاجتهاد و وإنما بالنهايات السوداء التي تتربص بهم في جملة القوانين القادمة , والنائمة في الأدراج لحين , والتهديد الواضح بسحب أمان الدولة عن هذا الجيل المهدد بالجوع , وأي غد يمكن ان يكون حين يصبح الهم الوحيد لقمة ومسلسل رومانسي , وأبراج تحدد أيام السعد وأيام الشقاء وارقام الحظ , ويصبح المتنفس الوحيد للشباب الخط الساخن و أو اربح معنا عن طريق sms, أو ادبك مع الدبيكة على قنوات البطون المنقشة ومواويل الديوك الصادحة في الفيديو كليب ..
في هذه الأمكنة التي تسترت على كل عورات الجوع والشذوذ القادم إلينا مع كل التوابل المروجة , يصبح الجوع بطلا للمشاهد المرسومة على زمان الفراغ , وبغياب كامل لبرامج التأهيل والمنظمات التي تنهض بالمجتمع المدني , تلك التي تحولت إلى جملة محسنيين يستمتعون بشعور المحتاج على أعتابهم و دعوات المتلقي لحسناتهم , وفلسفة التسول التي يصبح لتعميمها مليون معنى , يتكسر أنف هذا الشعب المنهك من صراع الكرامة الذي لا يشتري خبزا , و تتلمع الصور بواجهات العطاء الذي يفقد قيمته , حين يصبح حقنة لإجهاض الكبرياء , ومساواة البشر بالقطط المتمسحة بأحذية من يرمي لها بقايا الموائد ..وفي سبيل الخلاص من كل هذا يصبح الملاذ صورة تغري الجسد بشهوة تحمل النسيان , أو حوارا على الخط الساخن...أو شعرا يقفز من سماكة المثبات ليستفز المحيط ببنطال تحت الخصر بمسافة تتسع لتوصله مرحلة الاتهام ..
المشكلة ان هذا الواقع المشبع بكل الانتهاكات المتاحة للإنسان ضد الإنسان طبقي أيضا, ما بين الارصفة التي تبيع الشهوات , وبين الرواد الخمس نجوم الذين يبتدعون أنواعا جديدة , ليصبح بالإمكان أن يؤسسوا موقعا إلكترونيا يروج لهواجسهم الترفيهية الجديدة ,بعد أن استنزفوا كل أساليب المتعة ليخلقوا لانفسهم متعة جديدة ..
أنا لا أنكر ان هذه الأنماط الجنسية الشاذة والدعارة وكل ما يمكن أن يحقر حلمنا البسيط بجيل يبني من اجل الغد ليس جديدا , هذه الممارسات متلازمة مع حكاية الإنسان ,لكن هذا التفجر الخرافي للغرائز بحيث تصبح بديلا لكل المشاريع الحضارية والسياسية , يمكن ان تنسبه لعدة أمور :
1- حالة الضياع الثقافي وانعدام المشروع على كل الأصعدة و وابتعاد الجيل الجديد عن كل أشكال الفكر بما فيه الفكر السياسي , الذي ميز عقودا ماضية و لونها بالانتماءات الحزبية التي ساهمت في رفع السوية الثقافية والاجتماعية .
2- حالة الكبت التي تصاعدت بشكل كبير في ظل انحياز للفكر السلفي والتعصب كرد فعل على الواقع بمجمل حالاته, نتيجة انحسار المشاريع الأخرى عن الساحة العملية..
3- حالة الترف الفاحشة التي تعيشها مجموعات تتمتع برفاه اقتصادي كبير يتمرغ فيه أبناؤها مع انعدام الغطاء الثقافي والتربوي,الذي قد يساعد في تشكيل بيئة خصبة للانحراف خاصة الجنسي.
4-المستفزات المقدمة عبر الفضائيات , والانترنت , والترويج لعدد من المفاهيم الغربية الشاذة ..وانعدام الدور الرقابي الحقيقي وعدم جديته , والهروب من هذه المشاكل والالتفاف عليها حياء أو موافقة ,أو اعتبارها خطا يضمن ترهل الحركة الفكرية التي تنشأ عنها الإيديولوجيا التي يمكن ان تشكل سجالات حقيقية في الوطن.
5- ازدهار سوق الدعارة لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياحية ..
ربما حولتنا ثقافة الجري في الشوارع المحاطة بالخوف , إلى مجرد مراقبين لا يعنيهم التوقف أمام حالة الانهيار التي تجتاح البنيان العام , وتعدد مسببات هذا اللهاث سواء وراء اللقمة او السترة او الأمان من زلات اللسان , أو لأن وراء الفئات الفاعلة في المجتمع بلاوي تطاردها,بعد أن تحولت إلى مجموعة منتفعين . كطبيب تاجر ومهندس ضليع في النفاذ بمخالفاته ومحام يقبض الأتعاب وينيم قضاياه في الأدراج أو ينفذ بها بأساليب ملتوية وعلاقات عامة وخاصة, أو موظف يؤمن بمقولة طعمي التسعة لتاكل العشرة , وصيدلي يبيع الفياغرا لشاب في الرابعة عشرة أو حبوب الفاليوم مع المشروب ...إلخ.
كل تلك معطيات وأسباب تفضي لنتائج وفق المنطق و تجعلنا نتمسح بالحيطان خوفا من تطاول أخيلتنا لحد يغري أحدا بتتبعها ,لذلك التففنا بقلق المجهول وقفزنا فوق جثة جيل يترنح ضياعا وقهرا وكبتا وربما ترفا , وكبسنا على الجرح ملح وتركنا الخلق للخالق, في واقع السلبية التامة تجاه ما يحصل , والتذمر الهامس ,وسوق العبارات البليدة المنذرة بالنهايات والاكتفاء بترديد كلمة والله الدنيا آخر وقت ,مما سمح بفجور القيم وتداعيها بل وتسلل المحظور للساحات بعد ان تبين عجزنا وتجاهلنا له وبعد ان كان مروج المتعة يتسلل عند اول الشارع لينتظر سلعته السياحية صار يركب السيارة السياحية و يزمر أمام الباب , بنظرة متحدية , وربما يسلخك كفين إذا كان زبائنه vip ((مدعومين)).
من جهة ثانية في مقابل المواقف المتغاضية نجد الأكثر خطرا الذي يظهر في المآزرة او التسويغ لحالات أشد
فبعد الحديث الطويل الذي نشرته عدة مواقع عن ظهور المثليين الجنسيين في سورية إلى العلن , ولقاءاتهم في عدة مناطق برزت بعض الأفكار والتبريرات التي يسوقها بعض من يدعون انهم جزء من الحركة الحضارية عن حسن نية او عن سوء فيها ,أما الموقف المتوقع من المتلقي فيعتمد على المتلقي نفسه , فإن كان غير معني بهذه الظاهرة سيأخذ موقف الرافض على كل حال, أما بالنسبة للأشخاص الذين ينتمون لهذه الفئة فهم بالتأكيد سيمسكون بتلابيب هذه الكلمة ليبرروا انفسهم ,خاصة وان بعض من اولئك المنظرين نفى عن المذكورين صفة الشذوذ , وبالتالي فإن سلبية ما يمكن ان يقال تكمن في منحهم الأمل بقبول المجتمع لهم ولو بعد حين , رغم أن شرائح واسعة حتى في الغرب لم تقبل هذا النوع من الممارسات لحد الآن , ثم إن هذا النوع من الممارسات ينشأ أصلا في الحالة العامة في مرحلة الطفولة نتيجة الاستعداد الفطري للطفل للميول الشاذة وتهيئ الظرف المناسب لتفاقم هذه الحالة , وبالتالي فإن المسؤولية هنا تربوية اجتماعية تحملها كاملة الفئات الواعية من المجتمع التي غفلت عن نشوء هذه الحالات بشكل أو بآخر ..
دعونا نعترف بالرعب الذي أصابنا ,هانحن ننزوي خوفا من التجمعات , نغلق أبوابنا علينا وعلى حقوق أطفالنا باستكشاف الأزقة لإيماننا بتوحشها, نستذكر اللعب بالطين في الحارة الشعبية بخيال العاشق ,ولعبة الاختباء بين البيوت العربية , ولحظات الامان , ونسرق من صغارنا براءتهم ليرتصوا امام المسلسلات والكومبيوترات ,دون ان ندرك أن شرخا نفسيا كبيرا سيظهر ولو بعد حين بسبب حرمانهم من مرحلة عمرية هي الأهم في تكون شخصياتهم .
ميس نايف الكريدي: (كلنا شركاء) 20/7/2009
2009/7/21