التكية السليمانية... حاضرة على ضفاف الغائب " بردى"
الحياة في دمشق هي حياة الاكتشاف الدائم للأصالة والتراث، فكل حي من أحيائها القديمة يعبق برائحة الماضي، ويحتفظ ببصمة واضحة للذين مروا فيه تاركين ما تركوه من آثار تدل عليهم، فإذا ما مر الزائر على ضفاف نهر بردى في ميدان الشرف الأدنى. لابد أن يتساءل عن تلك القباب المتصلة بعضها ببعض وسط غابة صغيرة من الأشجار المعمرة، وسيدفعه فضوله بالتأكيد لدخول المكان والتعرف على ذلك المسجد القديم الذي يقيم بهدوء وسط ضجيج المدينة من حوله غير آبه إلى آلاف البشر التي تؤمه دون أن تعرف تاريخه الكامل وهذا المسجد هو التكية السليمانية إحدى أهم التكايا في دمشق وأقدمها.
التكية السليمانية هي مسجد عثماني قديم يعود إلى عهد السلطان سليمان القانوني الذي سميت باسمه والتي بناها في العام 1554 للهجرة في الموضع الذي كان يقوم عليه قصر الأبلق الذي بناه الظاهر بيبرس وهي من تصميم المهندس الإيراني الأصل ملا آغا حيث استمر العمل لبنائها ما يقارب الست سنوات أنجز فيها تحفة فنية معمارية فريدة، والحق بالتكية بعد ذلك مدرسة عثمانية في عهد الوالي "لالا مصطفى باشا" الذي لا يزال الجامع الذي بناه وسماه باسمه قائما في شارع بغداد في دمشق.
تتميز التكية(الجامع) بطراز بنائها وخاصة مئذنتيها النحيلتين اللتين شبههما أهالي دمشق بالمسلتين لشدة نحولهما وعلوهما، فهما تبدوان كقلمي رصاص بارزين في شارع الحلبوني المجاور وللمصادفة فإن هذا الشارع هو شارع المكتبات الذي يضم العشرات منها ما يجعل شكل المئذنتين منسجما مع محيطهما لتبدوان وكأنهما تدلان على تلك المكتبات، وبالطبع هذا الطراز لم يكن مألوفا على الإطلاق في بناء المآذن خلال تلك الحقبات، والتكية قسمان هما: التكية الكبرى والتكية الصغرى، أما الكبرى فهي عبارة عن مسجد مبني على الطريقة العثمانية ومزخرف بشتى أنواع الزخارف والفسيفساء الإسلامية على جدرانه وبجوارها ألواح القاشي الدمشقي المتوضعة فوق النوافذ التي تأخذ الابصار ببريق الزجاج الشامي المعشق وهي بدورها تزينها الرسوم المنقوشة عليها، وهذا الزجاج لم يتبدل منذ بني المسجد وإن كان قد تخرب جزء لا بأس منه، والجامع مربع الشكل تغطي سقفه قبة ضخمة لها عنق متعدد النوافذ وتتوسطها (طاسة) نصف كروية مبنية من الرصاص وفيها نوافذ أخرى مطلة على الحدائق، وإلى جوار المسجد توجد مدرسة كانت تضم حلقات تعليم القرآن والحساب والقراءة والكتابة، إلى جانب التكية الكبرى تقع الصغرى التي تتألف من حرم للصلاة وباحة واسعة تضم بحرة ضخمة وفي وسطها نافورة ماء وتحيط بالبحرة غرف أسقفها عبارة عن قباب صغيرة تظهر مع القباب الكبيرة كأم تحتضن أبناءها، وهذه الغرف التس كانت تسمى غرف الدراويش هي بمثابة مأوى للغرباء والمسافرين بالإضافة إلى كونها مسكنا دائما لطلبة العلم والحجاج الأتراك آن ذاك، ويحيط بمباني التكية الداخلية سور حجري طوله 125م وعرضه 94م وللسور ثلاثة أبوب هي الباب الغربي والباب الشرقي وباب شمالي تتقدمه قبة صغيرة محمولة على أربعة أعمدة مزخرفة بزخارف مشابهة لتلك التي تغطي جدران المسجد.
للتكية واجهات عدة أكبرها تلك التي تتوسط الشارع الملاصق للمتحف الوطني وهو شارع رضا سعيد مؤسس جامعة دمشق والشارع يودي إلى مبنى رئاسة الجامعة، وفي داخل التكية من جهة بوابة شارع رضا سعيد ترتفع الأقواس الفارسية الطراز والأعمدة ذات التيجان المقرنصة المنتظمة التي تحيط بالمئذنتين، وإلى جوارها توجد عدة باحات مرصوفة بالحجارة البيضاء والسوداء ونوافير الماء التي تخلق جوا رطبا ينعم به الزائر وهذه الباحات أصبت مقصدا لمن يريد أن يلتقط صورا تذكارية له في التكية.
بالطبع التكية لم تعد تكية بالمعنى الحرفي للكلمة ففي العام 1974 تحولت التكية الصغرى إلى سوق المهن اليدوية الذي انتقلت إليه الصناعات الدمشقية الآيلة للانقراض وهي حرف توارثها سكان المدينة عبر الأجيال وأصبح السوق يضم المحلات التي تعرض بضائعها إلى جوار المشاغل التي تصنع هذه البضائع ومنها الآلات الموسيقية القديمة والزجاج المصنوع يدويا والصناعات القشية والبروكار الدمشقي وغيرها الكثير، أما التكية الكبرى فقد أصبحت متحفا حربيا يعرض كافة انواع الأسلحة القديمة الطراز والتي تعود إلى عصور خلت، والمتحف الحربي بدوره انتقل إلى قلعة دمشق ليبقى مصير التكية الكبرى مجهولا حتى الآن، وتشهد التكية السليمانية منذ عدة اعوام اهتماما من قبل مديرية الآثار والمتاحف لنشيط حركة السياحة إليها وتعريف الزائر بها، وفي مطلع الفائت تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارتي السياحة والأوقاف السوريتين لجعل التكية مقصدا سياحية تشرف عليه وزارة السياحة وتدير وزارة الأوقاف الأماكن المخصصة للعبادة والشعائر الدينية التي تشبه في طقوسها تلك المتبعة في المسجد الأموي، كما تم ترميم قسم كبير من التكية من جهة سوق المهن اليدوية وتم إدخال صناعات لم تكن موجودة في هذه السوق بالإضافة إلى تخصيص غرف لفنانين تشكيليين تكون الواحدة منها بمثابة مرسم للفنان يبدع فيه في جو مليء ببواعث الإبداع.